تصلك رسالة في مجموعة العائلة: خبر عاجل، صورة صادمة، وجملة في آخرها تقول انشرها لتعم الفائدة. خلال دقائق تجد الرسالة نفسها في ثلاث مجموعات أخرى. بعد يومين يتبين أن الخبر قديم أو مفبرك أو مأخوذ من سياق مختلف تماماً. لكن التصحيح لا ينتشر بالسرعة نفسها أبداً.
المشكلة لا تقف عند إحراج من شارك الخبر. بعض الشائعات تسبب ذعراً بين الناس، أو تضر بسمعة أشخاص أبرياء، أو تدفع إلى قرارات صحية ومالية خاطئة.
لفهم كيف نحمي أنفسنا من هذا، علينا أولاً أن نفهم لماذا تنجح الشائعة في الانتشار.
لماذا تنتشر الشائعات أسرع من الحقيقة؟
لأنها تخاطب المشاعر لا العقل
الشائعة غالباً مصممة لتثير الخوف أو الغضب أو الدهشة. هذه المشاعر القوية تدفعنا إلى التفاعل الفوري قبل التفكير. أما الخبر الدقيق فيأتي عادة بلغة هادئة وتفاصيل مملة نسبياً، فلا يثير الرغبة نفسها في المشاركة.
لأنها بسيطة ومكتملة
الحقيقة معقدة، فيها استثناءات وتحفظات ومعلومات ناقصة. الشائعة تقدم قصة كاملة بلا ثغرات ظاهرة، فيها بطل وشرير وسبب واضح. والعقل البشري يرتاح للقصص المكتملة.
لأنها توافق ما نؤمن به مسبقاً
نميل إلى تصديق ما يؤكد قناعاتنا، وإلى التشكيك في ما يخالفها. لذلك تنتشر الشائعة بسرعة داخل المجموعات التي تتوافق مع رسالتها، لأن أحداً لا يتوقف ليسأل.
لأن المرسل شخص نثق به
حين تصلك رسالة من صديق أو قريب، تنتقل ثقتك به إلى المحتوى نفسه. لكن صديقك على الأرجح لم يتحقق، بل أعاد الإرسال بحسن نية.
لأن المنصات تكافئ التفاعل
خوارزميات كثير من المنصات تعرض المحتوى الذي يحصد تفاعلاً أكبر لعدد أكبر من الناس. والمحتوى المثير للجدل يحصد تفاعلاً كبيراً، فيدخل في دائرة تغذي نفسها.
خطوات تحقق بسيطة قبل المشاركة
لا تحتاج أن تكون صحفياً محترفاً لتتحقق من معظم ما يصلك. هذه الخطوات تكفي في أغلب الحالات:
- توقف لحظة. إذا شعرت بغضب أو خوف شديد بعد قراءة الخبر، فهذه إشارة لتبطئ لا لتسرع.
- ابحث عن المصدر الأصلي. من نشر الخبر أولاً؟ هل هو جهة رسمية أو وسيلة إعلام معروفة، أم حساب مجهول أو رسالة بلا توقيع؟
- ابحث عن الخبر في أكثر من مكان. الأحداث الكبيرة الحقيقية تغطيها عدة وسائل إعلام موثوقة. إذا لم تجد الخبر إلا في رسائل متداولة، فالاحتمال كبير أنه غير دقيق.
- تحقق من التاريخ. كثير من الشائعات أخبار حقيقية قديمة يعاد تداولها كأنها حدثت اليوم.
- افحص الصورة أو الفيديو. استخدم خاصية البحث العكسي عن الصور المتاحة في محركات البحث لتعرف أين ظهرت الصورة أول مرة وفي أي سياق.
- اقرأ أكثر من العنوان. أحياناً يكون العنوان مضللاً بينما يقول النص شيئاً مختلفاً.
- راجع مواقع تدقيق المعلومات. توجد منصات عربية وعالمية متخصصة في فحص الأخبار المتداولة، وقد تجد أن الخبر نفسه قد فُحص من قبل.
علامات تحذيرية في الرسائل المتداولة
بعض الإشارات تتكرر كثيراً في المحتوى غير الموثوق، ووجود أكثر من واحدة منها يستدعي الحذر:
- عبارات مثل انشرها قبل أن تحذف، أو لن تجد هذا الخبر في الإعلام.
- غياب أي اسم أو تاريخ أو مكان محدد.
- نسبة الكلام إلى طبيب أو خبير أو مسؤول دون ذكر اسمه أو جهته.
- الأخطاء الإملائية الكثيرة أو الصياغة المبالغ فيها.
- وعود بعلاج سحري أو ربح سريع أو خطر وشيك لا يعلمه أحد.
ماذا تفعل إذا شاركت شائعة دون قصد؟
يحدث هذا للجميع. المهم ما تفعله بعدها. احذف المنشور إن أمكن، واكتب توضيحاً بسيطاً في المكان نفسه الذي نشرت فيه، دون حرج. هذا التصرف يرفع ثقة الناس بك بدل أن ينقصها، ويشجع غيرك على فعل الشيء نفسه.
وإذا وصلتك شائعة من شخص قريب؟
الرد الهجومي نادراً ما يقنع أحداً. جرب أسلوباً هادئاً: شارك رابط التصحيح أو المصدر الموثوق مع جملة لطيفة مثل: بحثت عن هذا الخبر ووجدت أنه غير دقيق، هذا ما وجدته. الهدف تصحيح المعلومة، لا الانتصار في نقاش.
أنواع المحتوى المضلل ليست واحدة
يفيدك أن تعرف أن المعلومات غير الدقيقة تأتي بأشكال مختلفة، ولكل منها طريقة كشف خاصة:
- المحتوى المفبرك بالكامل: خبر لا أصل له، يُكشف غالباً بغياب أي مصدر معروف.
- المحتوى المقتطع من سياقه: صورة أو تصريح حقيقي لكنه يُعرض في سياق مختلف، ويُكشف بالبحث عن الأصل.
- المحتوى المعدل: صورة مركبة أو مقطع صوتي مقصوص، ويحتاج إلى مقارنة بالنسخة الأصلية.
- السخرية المفهومة خطأ: منشور ساخر من صفحة كوميدية يتداوله الناس كأنه خبر جاد.
معرفة هذه الأنواع تجعلك تسأل السؤال الصحيح بسرعة: هل هذا الخبر غير موجود أصلاً، أم أنه موجود لكن بصورة مختلفة؟
عادة صغيرة تصنع فرقاً
لن تستطيع إيقاف كل الشائعات، لكنك تستطيع أن تكون نقطة توقف لها بدل أن تكون جسراً. اجعل لنفسك قاعدة بسيطة: لا مشاركة قبل دقيقة تحقق واحدة. ابدأ بتطبيقها على أول رسالة مثيرة تصلك اليوم، ولاحظ كم مرة ستكتشف أن التوقف كان القرار الصحيح.
